شركة الفنون تصميم وبرمجة التطبيقات

بين الألم والأمل: أجمل قصائد نازك الملائكة

آخر تحديث: 24 أكتوبر 2022
بين الألم والأمل: أجمل قصائد نازك الملائكة

قصيدة: البحث عن السعادة

قد بحثْنا عن السّعادةِ لكن

ما عثرنا بكوخها المسحور

أبدًا نسأل الليالي عنها

وهي سرّ الدنيا ولغزُ الدّهور

طالما حدّثوا فؤادي عنها

في ليالي طفولتي وصبايا

طالما صوّروا لعينيّ لقيا

ها وألقوا أنباءها في رؤايا

فهي آنًا ليست سوى العطرُ والألـ

وانُ والأغنياتُ والأضواء

ليس تحيا إلا على باب قصر

شيّدَتْه أيدي الغنى والرخاء

وهي آنًا في الصّومِ عن مُتعِ الدنـ

ـيا وعند الزّهادِ والرهبان

ليس تحيا إلا على صخر المعـ

ـبد بين الدعاءِ والإيمان

وهي حينا في الإثمِ والمُتعِ الدنـ

ـيا وفي الشرّ والأذى والخصام

ليس تصفو إلا لقلب دنيء

لائذ بالشرور والآثام

وهي في شرع بعضهم عند راع

يصرف العمر في سفوح الجبال

يتغنى مع القطيع إذا شا

ء تحت الشّذى والظّلال

وهِي في شَرعِ آخرين ابنةُ العزِّ

لة والفنِّ والجمالِ الرفيعِ

ليس تحيا إلا على فم غرّيـ

د يغني أو شاعر مطبوع

وهي حينا في الحبّ يلهمها سهـ

ــم كيوبيد قلب كلّ محبّ

ليس تحيا إلا على شفة العا

شق يشدو حياته لحن حبّ

حدّثوني عنها كثيرًا ولكنْ

لم أجدْها وقدْ بحثْتُ طويلًا

لم أزلْ أصرفُ الليالي بحثًا

وأغّني بها الوجودَ الجَميلا[١]

قصيدة: خمس أغانٍ للألم

مُهْدي ليالينا الأسَى والحُرَقْ
ساقي مآقينا كؤوسَ الأرَقْ
نحنُ وجدناهُ على دَرْبنا
ذاتَصباحٍ مَطِيرْ
ونحنُ أعطيناهُ من حُبّنا
رَبْتَةَ إشفاقٍ وركنًا صغيرْ
ينبِضُ في قلبنا
فلم يَعُد يتركُنا أو يغيبْ
عن دَرْبنا مَرّهْ
يتبعُنا ملءَ الوجودِ الرحيبْ
يا ليتَنا لم نَسقِهِ قَطْرهْ
ذاكَ الصَّباحَ الكئيبْ
مُهْدي ليالينا الأسَى والحُرَقْ
ساقي مآقينا كؤوس الأرَقْ
مِن أينَ يأتينا الأَلمْ؟
من أَينَ يأتينا؟
آخَى رؤانا من قِدَمْ
ورَعى قوافينا
أمسِ اصْطحبناهُ إلى لُجج المياة
وهناكَ كسّرناه بدّدْناهُ في موج البُحَيرة
لم نُبْقِ منه آهةً لم نُبْقِ عَبْرة
ولقد حَسِبْنا أنّنا عُدْنا بمنجًى من أذَاهْ
ما عاد يُلْقي الحُزْنَ في بَسَماتنا
أو يخْبئ الغُصَصَ المريرةَ خلف أغنيَّاتِنا
ثم استلمنا وردةً حمراءَ دافئةَ العبيرْ
أحبابُنا بعثوا بها عبْرَ البحارْ
ماذا توقّعناهُ فيه؟ غبطةٌ ورِضًا قريرْ
لكنّها انتفضَتْ وسالتْ أدمعًا عطْشى حِرَارْ
وسَقَتْ أصابعَنا الحزيناتِ النَّغَمْ
إنّا نحبّك يا ألمْ
أليسَ في إمكاننا أن نَغْلِبَ الألمْ؟
نُرْجِئْهُ إلى صباحٍ قادمٍ؟ أو أمْسِيهْ
نشغُلُهُ؟ نُقْنعهُ بلعبةٍ؟ بأغنيهْ؟
بقصّةٍ قديمةٍ منسيّةِ النَّغَمْ؟
ومَن عَسَاهُ أن يكون ذلك الألمْ؟
طفلٌ صغيرٌ ناعمٌ مُستْفهِم العيونْ
تسْكته تهويدةٌ ورَبْتَةٌ حَنونْ
وإن تبسّمنا وغنّينا له يَنَمْ
يا أصبعًا أهدى لنا الدموع والنَّدَمْ
مَن غيرهُ أغلقَ في وجه أسانا قلبَهُ
ثم أتانا باكيًا يسألُ أن نُحبّهُ؟
ومن سواهُ وزّعَ الجراحَ وابتسَمْ؟
هذا الصغيرُ.. إنّه أبرَأ مَنْ ظَلَمْ
عدوّنا المحبّ أو صديقنا اللدودْ
يا طَعْنةً تريدُ أن نمنحَها خُدودْ
دون اختلاجٍ عاتبٍ ودونما ألمْ[٢]

قصيدة: إلى ميسون

إن خَبَتْ أعينُ النجوم

وسَجتْ بسمة القمرْ

واختفت خضرة الكروم

وذوى الورد وانتشرْ

كنتِ لي أنتِ كوكبًا مخمليّ الـ

ـلمس ينثالُ عطرِ وضوءِ

كان لي من بريق عينيك لون الـ

ـقمر اللّدْن في ليالي الدفءِ

كان وحيي حكاية منكِ فيها

من شذى الورد ألف شيء وشيءِ

كانَ لي من صفاءِ وجهك بدءٌ

لأغاني حبٍّ وحبٍ وحبِّ

معبر للجمال من شاطئ المجـ

ـهول يرسي أتلاقُهُ عند قلبي

قصيدة: مأساة الأطفال

ودموعُ الأطفالِ تجرحُ لكنْ

ليس منها بدٌّ فيا للشّقاء

هؤلاءِ الذينَ قدْ منحُوا الحسَّ

وما يملكونَ غيرَ البكاءِ

منحَتْهم كفُّ الطّبيعةِ قلبًا

بشريًّا يستشعرُ الآلاما

ورمتهم في كفّةِ القدرِ الغا

شمِ جسمًا لا يستطيعُ كَلاما

فإذا ما بكَوا فأدمع خرس

ربما كان خلفَها ألفُ معنى

ربما كانَ خلفَها الألمُ القا

تلُ أو رغبةٌ مع الريحِ تفنى

ربّما ربّما وما ينفعُ الظنّ

ونوحُ الأطفالِ ملءَ الحياة

وُلدوا صارخين بين يدِ الأقـ

ـدارِ فليصْرخُوا ليومِ الممات

علّهم يدركون ما لم نقف نحـ

ـنُ عليهِ من ظلمةِ الأسرارِ

ويرونَ الحياةَ ليلًا من الشرِّ

تدلّى على حفافِ النّار

فهم يصرخون من ألمِ المُقـ

ـبلِ أو يندبون ما قدْ أضاعُوا

أو لم يقبلوا على غيهبِ العا

لمِ حيثُ المحيا أسًى وصراع

لم يزلْ في نفوسِهم أثرُ الما

ضي النقيِّ الجميلِ أو ذكراه

حين كانُوا في عالمٍ عبقريٍّ

كلُ حيٍّ على ثراه إله

عالمٌ غير عالمِ البشرِ المرّ

بعيد عن الدّجى والفناء

قصيدة: بين قصور الأغنياء

سرت بين القصور وحدي طويلًا

أسأل العابرين أين الطروب؟

فإذا فتنةُ القصورِ ستارٌ

خادعٌ خلفَه الأسى والشحوب

لمْ أجدْ في القصورِ إلا قلوبًا

حائرات وعالمًا محزونا

ليس إلا قومٌ يضيقونَ بالأيّـ

ـام ضيقَ الجياعِ والبائسينا

ليس ينجيهم الغنى من يدِ الأشـ

ـجانِ ليستْ تُنجيهم الكبرياء

ليسَ يعفو المماتُ عنهم فهم حز

نٌ وصمتٌ وحـيرةٌ وبكاءُ

كم وراءَ القصورِ من مُقَلِ تبـ

ـكي وتشكو قساوةَ المقدور

كم قلوبٍ تودّ أن تبدلَ القصـ

ـرَ بكوخٍ على حفافِ الغـدير

إن يكونوا نجَوا من الجوعِ والفقـ

ـرِ ولم يفترسْهم الحرمان

فلقد طالما أحسُّوا بجوعِ الـ

ـروح واستعبدَتْهم الأحْزان

إنْ يَكونُوا يقضُون أيّامَهم بيـ

ـن الحريرِ الملوّنِ الجذّاب

فغدًا تعبرُ الدهورُ وهم مو

تى على الشّوكِ والحصَى والتّراب

إن يكن في قصورهم من سنا الأضـ

ـواءِ ما يُرجِع الظلامَ ضـياء

فغدًا يخمدُ الضياءُ وتبقى

ظلمةُ اللّيلِ بكرةً ومساء

ليس تُنجي القصورُ من ربقةِ الحُز

ن إذا طاف بالقلوب دجاه

كم غنيِِّ يقضي الحياةَ شقيًّا

مغرقًا في أنينهِ وبكاه

كلُّ ما في هذا الوجودِ من الأمـ

ـوالِ لا يستطيعُ دفع الشّقاء

كلُّ تلك الكنوزِ ما غمرَتْ قطّ

غنيًّا بساعةٍ من هناء

قصيدة: عند الرهبان

سرْ بنا نحوَ ذلك المعبدِ القا

ئمِ فوقَ الصّخورِ بين الجبال

سرْ بنا سرْ بنا لعلّ لدى الرُّهـ

ـبان سرَّ النعيمِ والآمال

هؤلاء الزهّادُ في القّنة البيـ

ـضاءِ حيث الصفاءُ ملءَ الوجود

علّهم يعرفونَ ما قدْ جهلْنا

عن شهابِ السّعادةِ المفقود

قد سألْت الرهبانَ عن كنزِنا السّحـ

ـريّ لكن لم ألقَ منهم جوابا

لم يجبْني منهمْ سوى صوتُ محزو

نٍ يغّني ويجرعُ الأوصابا

لم أجد في تلك الصوامعِ غيرَ الـ

أوجهِ الشّاحباتِ والدّيجور

لمْ أجدْ غيرَ وُحشةٍ تبعثُ اليأ

سَ وصمتٍ كمثلِ صمتِ القبور

هؤلاءِ الأشباحُ ماذا تراهم؟

آدميّونَ أم بقايا طيوف

فيَم جاؤوا وأيةُ سلوى

وجدُوها ما بينَ هذي الكُهوف

في بعيدِ الآفاقِ تحت دياجيـ

ــر وجودٍ تمشي الكآبةُ فيه

حيثُ ما زالت الحياةُ كما كا

نتْ على عهدِ آدمَ وبنِيه

حيث لا زهرٌ لا عرائشُ لا أشـ

ـجار لا شيء غير هذا السّكون

لا جديد فيه سوى موت حيّ

من بنِيه ما بين حين وحين

أيّها الراهبُ الذي يقطعُ العمـ

ـرَ وحيدًا في كوخِه المكفهرّ

هاتِ حدّثني العشّيةَ عما

عند دنياكَ من نعيمِ وبشر

حدّثُوني عنكم فقالُوا حياة

منْ نعيمٍ وأنْفسٌ من نقاء

عجبًا أين ما يقولون؟ ما لي

لا أرى غيرَ حيرةَ الأشقياء

ما الذي عندَكم منَ البشر والأفـ

ـراح؟ ماذا يا أيُّها الزاهدونا؟

ليس إلا عمرٌ يمرُّ حزينا

يتهاوى كآبةً وسكونا

حدّثوني عنْكم فقالُوا قلوب

نُسجَت من نقاوةٍ وثراء

ونفوسٌ صِيغَت من الزّهرِ والعط

ـر وهامَت معَ السَّنا والّنقاء

أين هذا الّذي يقولُون عنكم

أيّها الراهبون؟ أين تراه؟

اسم (تاييس) لم يزلْ يملأُ الكو

ن فأينَ الّذي أضلّتْ خطاه؟

ما نسيْنا غوايةَ الرّاهبِ المسـ

ـكينِ في حبِّها، وكيف هداها

يا له بائسًا سما بابنة الإثـ

ـمِ إلى قمّةِ السّماء وتاها

أيّها الرّاهبون لن تنبت الأز

هارُ والعطرُ والسّنا في النفوس

عبثًا تهربون من مغرياتِ الـ

ـعيشِ كم في الوجود من تاييس

لنْ تذوقُوا شهْدَ السعادةِ ما دمـ

ـتم أَناسيّ من ترابٍ وماء

كتبَتْ هذهِ الطّبيعةُ للأحـ

ـياءِ أن يكرعُوا كؤوسَ الشّقاء

أو تنسونَ أنّكم لم تزالُوا

مثلما كنْتُم حَيارَى حَزَانى

لم تزلْ فتنةُ الوجودِ تناديـ

ـكُم وتهفيكم إلى ما كانا

لم تزلْ ذكرياتُ أمسِكُم المَهـ

ـجورِ تحيا في الأنفسِ المحزونة

وخيالٌ من عالم فاتن الألـ

ـوانِ ملْء المشاعرِ المغبونة

أيّها الراهبونَ ماذا إذنْ نفَـ

ـعَ اعتزالٌ تَشُوبُهُ الصّبواتُ

آه عودُوا إلى مصارعةِ الدّهْـ

ـرِ وعيشُوا كما تشاءُ الحياةُ

أيّها المعبدُ الحزينُ وداعًا

أنتَ يا مَن لاذَتْ بهِ آمالي

لم أجدْ في حماكَ زهرةً أحلا

مي فيا ضيعةَ السّرى والكلال

لم أجدْ زهرةَ السعادةِ والأفـ

ـراحِ عندَ الزهّادِ والرّاهبينا

آه ضاعَتْ أيّامُ عمري وما زا

لَ شراعي يطوي فراغًا حزينا

عندَ شطِّ الحياةِ ألقيْتُ مرسى

زورقِي في الضّبابِ تحتَ الظّلام

لقراءة المزيد، انظر هنا: مؤلفات نازك الملائكة.

المراجع[+]

  1. “البحث عن السعادة”، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 28/5/2021.
  2. “نازك الملائكة”، جود ريدرز، اطّلع عليه بتاريخ 28/5/2021.